فصل: باب ما جاء في التنجيم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


باب ما جاء في التنجيم

التنجيم‏:‏ مصدر نجم بتشديد الجيم؛ أي‏:‏ تعلم علم النجوم، أواعتقد تأثير النجوم‏.‏

وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين‏:‏

1- علم التأثير‏.‏ 2- علم التسيير

فالأول‏:‏ علم التأثير‏.‏ وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام‏:‏

ا- أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث والشرور؛ فهذا أكبر؛ لأن من ادعى أن مع الله خالقا؛ فهو شركا أكبر؛ فهذا جعل المسخر خالقا مسخرا‏.‏

ب- أن يجعلها سبب يدعي به علم الغيب، فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا؛ لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا، مثل أن يقول‏:‏ هذا الإنسان ستكون حياته شقاء؛ لأنه ولد في النجم الفلاني، وهذا حياته ستكون سعيدة؛ لأنه ولد في النجم الفلاني؛ فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة؛ لأن الله يقول‏:‏ ‏{‏قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ من الآية65‏]‏، وهذا من أقوى أنواع الحصر؛ لأنه بالنفي والإثبات، فإذا ادعى أحد علم الغيب؛ فقد كذب القرآن‏.‏

ج- أن يعتقدها سببا لحدوث الخير والشر، أي أنه إذا وقع شيء نسبه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئًا إلا بعد وقوعه؛ فهذا شرك أصغر‏.‏

فإن قيل‏:‏ ينتقض هذا بما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله في الكسوف‏:‏ ‏(‏إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الكسوف / باب الصدقة في الكسوف، مسلم‏:‏ كتاب الكسوف / باب ذكر النداء بصلاة الكسوف‏.‏‏]‏؛ فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار‏.‏

والجواب من وجهين

الأول‏:‏ أنه لا يسلم أن للكسوف تأثيرا في الحوادث والعقوبات من الجدب والقحط والحروب، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إنهما لا ينكسفان لوت أحد ولا لحياته‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب الكسوف / باب الصدقة في الكسوف، مسلم‏:‏ كتاب الكسوف / باب ذكر النداء بصلاة الكسوف‏]‏‏.‏، لا في ما مضى ولا في المستقبل، وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون، وهذا أقرب‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لوسلمنا أن لهما تأثيرًا؛ فإن النص قد دل على ذلك، وما دل عليه النص يجب القول به، لكن يكون خاصًا به‏.‏

لكن الوجه الأول هوالأقرب‏:‏ أننا لا نسلم أصلًا أن لهما تأثيرًا في هذا؛ لأن الحديث لا يقتضيه؛ فالحديث ينص على التخويف، والمخوف هوالله تعالى، والمخوفة عقوبته، ولا أثر للكسوف في ذلك، وإنما هوعلامة فقط‏.‏

الثاني‏:‏ علم التيسير‏.‏ وهذا ينقسم إلى قسمين‏:‏

الأول‏:‏ أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية؛ فهذا مطلوب، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا، كما لوأراد أن يستدل بالنجوم على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة؛ فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة؛ فهذا فيه فائدة عظيمة‏.‏

الثاني‏:‏ أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية؛ فهذا لا بأس به، وهونوعان‏:‏

النوع الأول‏:‏ أن يستدل بها على الجهات؛ كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهوقريب منه يدور حوله شمالًا، وهكذا؛ فهذا جائز، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏16‏]‏‏.‏

النوع الثاني‏:‏ أن يستدل بها على الفصول، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر؛ فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون‏.‏

والذين كرهوه قالوا‏:‏ يُخشى إذا قيل‏:‏ طلع النجم الفلاني؛ فهو وقت الشتاء أوالصيف‏:‏ أن بعض العامة يعتقد أنه هوالذي يأتي بالبرد أوبالحر أو بالرياح‏.‏

والصحيح عدم الكراهة؛ كما سيأتي إن شاء الله ‏[‏انظر ‏(‏ص 105‏)‏‏.‏‏]‏

* * *

قال البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏‏:‏ ‏(‏قال قتادة‏:‏ خلق الله هذه النجوم لثلاث‏:‏ زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها، فمن تأول فيها غير ذلك؛ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب بدء الخلق، باب في النجوم، معلقًا‏.‏‏]‏ انتهى‏.‏

قوله في أثر قتادة‏:‏ ‏(1)‏‏.‏ اللازم للتعليل؛ أي‏:‏ لبيان العلة والحكمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لثلاث‏)‏‏.‏ ويجوز لثلاثة، لكن الثلاث أحسن، أي‏:‏ لثلاث حكم، لهذا حذف تاء التأنيث من العدد‏.‏

والثلاث هي‏:‏

الأولى‏:‏ زينة للسماء، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ من الآية5‏]‏؛ لأن الإنسان إذا رأى السماء صافية في ليلة غير مقمرة وليس فيها كهرباء يجد لهذه النجوم من الجمال العظيم ما لا يعلمه إلا الله؛ فتكون كأنها غابة محلاة بأنواع من الفضة اللامعة، هذه نجمة مضيئة كبيرة تميل إلى الحمرة، وهذه تميل إلى الزرقة، وهذه خفيفة، وهذه متوسطة، وهذا شيء مشاهد‏.‏

وهل نقول‏:‏ إن ظاهر الآية الكريمة أن النجوم مرصعة في السماء، أو نقول‏:‏ لا يلزم ذلك‏؟‏

الجواب‏:‏ لا يلزم من ذلك أن تكون النجوم مرصعة في السماء، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوالَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏33‏]‏؛ أي‏:‏ يدورون، كل له فلك‏.‏

وأنا شاهدت بعيني أن القمر خسف نجمة من النجوم، أي غطاها، وهي من النجوم اللامعة الكبيرة كان يقرب حولها في آخر الشهر، وعند قرب الفجر غطاها؛ فكنا لا نراها بالمرة، وذلك قبل عامين في آخر رمضان‏.‏

إذن هي أفلاك متفاوتة في الارتفاع والنزول، ولا يلزم أن تكون مرصعة في السماء‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما الجواب عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏زينا السماء الدنيا‏}‏‏؟‏

قلنا‏:‏ إنها لا يلزم من تزيين الشيء بالشيء أن يكون ملاصقًا له، أرأيت لو أن رجلًا عمر قصرًا وجعل حوله ثريات من الكهرباء كبيرة وجميلة، وليست على جدرانه؛ فالناظر إلى القصر من بعد يرى أنها زينة له، وإن لم تكن ملاصقة له‏.‏

الثانية‏:‏ رجومًا للشياطين؛ أي‏:‏ لشياطين الجن، وليسوا شياطين الإنس؛ لأن شياطين الإنس لم يصلوها، لكن شياطين الجن وصلوها؛ فهم أقدر من شياطين الإنس، ولهم قوة عظيمة نافذة، قال تعالى عن عملهم الدال على قدرتهم‏:‏ ‏{‏وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏37‏]‏؛ أي‏:‏ سخرنا لسليمان‏:‏ ‏{‏وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏38‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ من الآية39‏]‏، أي‏:‏ من سبأ إلى الشام، وهوعرش عظيم لملكة سبأ؛ فهذا يدل على قوتهم وسرعتهم ونفوذهم‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا‏}‏ ‏[‏الجـن‏:‏9‏]‏‏.‏ والرجم‏:‏ الرمي‏.‏

الثالثة‏:‏ علامات يهتدى بها، من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارًا وسبلًا لعلكم تهتدون * وعلامات وبالنجم هويهتدون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏16‏]‏؛ فذكر الله تعالى نوعين من العلامات التي يهتدي بها‏:‏

الأول‏:‏ أرضية، وتشمل كل ما جعل الله في الأرض من علامة؛كالجبال، والأنهار، والطرق، والأودية، ونحوها‏.‏

وكره قتادة تعلم منازل القمر‏.‏ ولم يرخص ابن عيينة فيه‏.‏ ذكره حرب عنهما‏.‏ ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق‏.‏

والثاني‏:‏ أفقية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 16‏]‏‏.‏

والنجم‏:‏ اسم جنس يشمل كل ما يهتدى به، ولا يختص بنجم معين؛ لأن لكل قوم في الاستدلال بهذه النجوم على الجهات، سواء جهات القبلة أو المكان، برا أو بحرا‏.‏

وهذا من نعمة الله أن جعل علامات علوية لا يحجب دونها شيء، وهي النجوم؛ لأنك في الليل لا تشاهد جبالا أودية، وهذا من تسخير الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْه‏}‏ ‏[‏الجاثـية‏:‏ من الآية13‏]‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(2)‏‏.‏ أي‏:‏ كراهة تحريم بناء على أن الكراهة في كلام السلف يراد بها التحريم غالبا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏تعلم منازل القمر‏)‏ يحتمل أمرين‏:‏

الأول أن المراد به معرفة منزلة القمر، الليلة يكون في الشرطين، ويكون في الإكليل؛ فالمراد معرفة منازل القمر كل ليلة؛ لأن كل ليلة له منزلة حتى يتم ثمانيا وعشرين وفي تسع وعشرين وثلاثين لا يظهر في الغالب‏.‏

الثاني‏:‏ أن المراد به تعلم منازل النجوم؛ أي‏:‏ يخرج النجم الفلاني في وعن أبي موسى؛ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يدخلون الجنة‏:‏

اليوم الفلاني، وهذه النجوم جعلها الله أوقاتا للفصول؛ لأنها ‏(‏28‏)‏ نجما، منها ‏(‏14‏)‏ يمانية و ‏(‏14‏)‏ شمالية؛ فإذا حلت الشمس في المنازل الشمالية صار الحر، وإذا حلت في الجنوبية صار البرد، ولذلك كان من علامة دنوالبرد خروج سهيل، وهومن النجوم اليمانية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يرخص فيه ابن عيينة‏)‏‏.‏ هوسفيان بن عيينة المعروف، وهذا يوافق قول قتادة بالكراهة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذكره حرب‏)‏‏.‏ من أصحاب أحمد، روى عنه مسائل كثرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إسحاق‏)‏‏.‏ هو إسحاق بن راهويه‏.‏

والصحيح أنه لا بأس بتعلم منازل القمر؛ لأنه لا شرك فيها؛ إلا إن تعلمها ليضف إليها نزول المطر وحصول البرد، وأنها هي الجالبة لذلك؛ فهذا نوع من الشرك، أما مجرد معرفة الوقت بها‏:‏ هل الربيع، أو الخريف، أو الشتاء؛ فهذا لا بأس به‏.‏

* * *